حسن ابراهيم حسن
143
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وما كان لنا فهو لرسول اللّه ، فقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا ، وقال عيينة بن حصن : أما أنا وبنو فزارة فلا ، وقال عباس بن مرداس : أما أنا وبنو سليم فلا . فأجابه بنو سليم بأنهم نزلوا عمر في أيديهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ؛ فقال عليه الصلاة والسلام لمن احتبس نصيبه من سبى هوازن وضن به : ادفعوها ولكم بكل إنسان ست فرائض من أول شئ أصيبه . فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم ، وأنفذ الرسول بحكمته لهوازن كل من أخذ منها . ومما هو جدير بالملاحظة أن هؤلاء الذين رفضوا كانوا من الذين خرجوا مع رسول اللّه من مكة في حرب هوازن ، فهم ممن أسلموا يوم الفتح وليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار الذين خالط الإيمان قلوبهم وقام الإسلام على أكتافهم . أهل « 2 » الرسول بالعمرة من الجعرانة ، فرجع إلى مكة وفرق الغنائم في المؤلفة قلوبهم من سادات قريش وغيرها من قبائل العرب . على أن الأنصار قد تغيرت نفوسهم لذلك بعض الشئ ، وساورتهم الشكوك ، فظنوا أن الرسول صار في غنى عنهم بعد أن لقى قومه ، فلم يعد يحفل بهم ولا يعنى بشأنهم كما كان من قبل . فلما بلغ الرسول ذلك أمر سعد بن عبادة أن يجمع له الأنصار ، فجمعهم وخطبهم تلك الخطبة التاريخية التي يتجلى فيها حسن سياسته وقدرته على جذب النفوس وتأليف القلوب إليه ، ومهارته في إعداد سامعيه ، ونهيئهم لقبول ما يريد أن يلقيه عليهم والتأثر به إلى أبعد حد . فقد بين للأنصار في عبارة سلسلة أخاذه نعمة الإسلام عليهم ، إذ هداهم بعد الضلالة وألف بين قلوبهم بعد العداوة ، ثم ذكر لهم بالثناء تصديقهم رسالته وإيواءهم إياه ومواسانهم له ، ثم عتب في كياسة وظرف تطلعهم إلى هذا الفيئ الذي أفاءه اللّه عليهم ، ففرقه في حديثي عهد بالإسلام تطييبا لنفوسهم عما أصابهم من القتل والهزيمة ، معتمدا على حسن إسلام الأنصار وصدق رغبتهم في نشر الدين وإعلاء كلمة اللّه . ثم أكد محبته إياهم وإيثارهم على غيرهم من العرب ، وأخيرا أعلن إليهم أنه منهم . ودعا لهم ولأبنائهم
--> ( 1 ) ابن هشام ج 4 ص 135 - 136 . ( 2 ) أهل بالحج أو بالعمرة : إذ أحرم من المبقات ( وهو المكان الذي يلبس فيه قاصد مكة لحج أو عمرة لباس الإحرام ) ونوى الحج أو العمرة .